آخر الأخبار
Loading...
الأربعاء، 4 مايو، 2016

Info Post
 فهمي هويدي يكتب محنة الحقيقة والعدالة
نشر الكاتب الكبير فهمى هويدى اليوم الاربعاء 4 مايو 2016 مقالا مهما فى صحيفة السبيل الاردنية التى تصدرها جماعة الاخوان الارهابية يحكى فيه واقعة قتل الشرطة لمواطنيين ابرياءفى بريطانيا .. ويعقد مقارنة مكتومة الصوت بين ما يحدث هنا وما يحدث هناك .
أن تصدر محكمة بريطانية حكمها في قضية قتل ٩٦ شخصا وقعت قبل ٢٧ عاما، فذلك لا يفاجئنا في مصر كثيرا.
أما أن تدين المحكمة الشرطة وتحملها المسئولية عما جرى، فتلك في زماننا من علامات الساعة الصغرى،فالأخير ليس خبرا لأننا سباقون فيه،أما إدانة الشرطة وتوجيه الاتهام إلى قادتها، فتلك مفاجأة أقرب إلى المعجزة التي يصعب على أمثالنا تصدقيها، ولأن الأمر كذلك فقصته تستحق أن تروى.
وقعت الواقعة في ١٥ أبريل من عام ١٩٨٩، في مقاطعة هيلز بورو بشمال إنجلترا، حيث كان مقررا إقامة مباراة لكرة القدم بين فريقي ليفربول وتوتنجهام
ولأنها كانت تنافسا على الدور قبل النهائي لكأس الاتحاد الإنجليزي، فقد اكتسبت أهمية خاصة بحيث توافد عليها ألوف المشاهدين.
وقبل دقائق من بدء المباراة انفتح أحد أبواب الملعب وتدافع عليه نحو ألفى شخص،
الأمر الذي أحدث هرجا هائلا أدى إلى مقتل ٩٦ شخصا وإصابة ٨٠٠ آخرين نقلوا إلى المستشفيات.
وهو ما أحدث صدمة هزت المجتمع البريطاني، الذي لم يعرف تاريخه حادثا مماثلا.
بعد أربعة أيام في وقوع الكارثة في «٤/١٩» خرجت صحيفة «ذا صن» بعنوان كبير على صفحتها الأولى في كلمة واحدة هي: الحقيقة.
وتحته تقرير ذكر أن مشجعي نادي ليفربول هم المسئولون عما جرى لأنهم جاءوا لتشجيع ناديهم وبينهم سكارى حرضوا غيرهم على فتح باب الملعب الأمر الذي تسبب في وقوع الكارثة،
ونقلت الصحيفة هذه الشهادة على لسان أحد كبار ضباط الشرطة ونائب محلي له،
إلا أن ذلك لم يقنع أهالي الضحايا، الذين تضامنت معهم منظمات المجتمع المدني فشكلوا معا مجموعة عمل مستقلة لتقصي حقيقة ما جرى.
ورفعت المجموعة دعوى في عام ١٩٨٩ بعد ٩ سنوات ضد اثنين من قادة الشرطة المحلية اتهمتهما بالضلوع في المسئولية عن الكارثة،
إلا أن القضاء برأ أحدهما ولم يجد دليلا يدين الثاني،
وعام ٢٠٠٩ بعد عشرين عاما من الحادث نجحت المجموعة في الحصول على تصريح بالإطلاع على كل أوراق القضية.
وبعد ثلاث سنوات من الدراسة والتحري وجد فريق الدفاع أن ثمة تلاعبا من جانب الشرطة في الأدلة وأن ٤١ شخصيا من القتلى كان يمكن إنقاذ حياتهم لو أنهم تلقوا العلاج المناسب.
فقدمت القرائن والأدلة الجديدة في تقرير إلى المحكمة العليا التي أعادت النظر في القضية في عام ٢٠١٢.
وخلال ٤ سنوات، أعيدت دراسة كل تقارير وأوراق القضية (٤٠٠ ألف ورقة) وتمت مناقشة ٤٠٠ شاهد،
ثم أعلن المحلفون في الأسبوع الماضي ٤/٢٦ أن المشجعين الـ٩٦ قتلوا دون وجه حق،
إذ تبين أن الاتهام الذي وجه إلى مشجعي ليفربول لم يكن صحيحا،وأن الشرطة ظلت تخفي الأدلة وتتلاعب بها طوال ٢٧ عاما،إذ اعترف الضابط المسئول عن حراسة الملعب بأنه روج لكذبة «مشينة» لأنه هو الذي أمر بفتح الباب الذي اندفعت منه الجموع وتسبب في الكارثة،وقد تقاعد ذلك الضابط الآن وصار في عمر واحد وسبعين عاما.
أما محرر صحيفة «ذا صن» التي نشرت ذلك الادعاء في حينه وحملت مشجعي ليفربول المسئولية عما جرى، فقد صرح لهيئة الإذاعة البريطانية بأنه يشعر بالاشمئزاز لاكتشافه أن الشرطة ظلت تكذب طول الوقت.
قرار المحلفين أحدث دويه في بريطانيا، فأشاد به رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي حيا في تغريدته نشطاء هيلزبورو في سعيهم الحثيث للوصول إلى الحقيقة طوال ٢٧ عاما،مضيفا أن يوم إعلان الحكم هو يوم تحقيق العدالة.
كما أنه تحدث أمام البرلمان قائلا إن البحث عن العدالة في هذه القضية قوبل بالتشويش والعداء عوضا عن التضامن والتشجيع.
أما وزيرة الداخلية فقالت إن التحقيق الجنائي سوف يستمر لتحديد الاتهامات الموجهة إلى قادة الشرطة المسئولين عن الحادث وهو ما يفترض أن يتم قبل نهاية العام الحالي،
وستركز حول الظروف التي أحاطت به سواء فيما خص القتل الخطأ أو تحويل مجرى العدالة والحنث باليمين.
قبل توجيه الاتهام الجنائي للمسئولين عن الكارثة قدم مفوض شرطة يوركشير اعتذاره إلى عائلات الضحايا.
مع ذلك فإنه أقيل من منصبه في اليوم التالي لإعلان قرار المحلفين،
وقال الرئيس المشرف على الشرطة المحلية إنه لم يكن أمامه أي خيار بعدما فقد عامة الناس ثقتهم في الشرطة حين انفضح أسلوب تعاملها مع الكارثة.
قصدت التفصيل في وقائع القصة ليس لما تحفل به من تشويق وإثارة،وليس فقط من باب التعبير عن الغيرة والحسد،ولكن أيضا للدروس والعبرة فيها،ذلك أنه حين توحد الناس حول الهدف الذي تبنته منظمات المجتمع المدني، فإن أجواء الحرية المتاحة مكنت ذلك الفريق من أن يجرى تحقيقا مستقلا طوال ٢٧ عاما،نجح من خلاله في كشف تلاعب الشرطة بالأدلة والتستر على تقاعسها،ثم تكفل القضاء المستقل بإعلان الحقيقة والعدالة في نهاية المطاف.
لدينا في مصر قائمة طويلة لكوارث أكبر وأفدح تتابعت منذ قامت الثورة في عام ٢٠١١، وقعت في الملاعب وفى ساحات الصراع السياسي.
وفى حالة استثنائية وحيدة عرفنا بعض الحقيقة في تقرير لجنة تقصي حقائق أحداث الثورة التي رأسها المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض الذي حمل الشرطة صراحة المسئولية عن قتل المتظاهرين.
إلا أن ذلك الاستثناء لم يتكرر، حيث قامت الشرطة وأذرعها الأمنية بمحو التقرير ودفنه،وتولت مهمة إعادة كتابة تاريخ المرحلة وما تلاها على نحو برأ رجالها من كل الكوارث التي وقعت.

وظل ذلك وجه الشبه الوحيد بين ما حدث عندنا وما وقع في بريطانيا.
ومنذ ذلك الحين أدركنا أن للحقيقة بابا واحدا تمسك الشرطة بمفاتيحه.
فقرارها نهائي وكلمتها لا ترد وذاتها مصونة لا تمس.
الأمر الذي أحدث انفصالا بين الحقيقة والعدالة،لذلك يفاجئنا ما حدث في بريطانيا حتى صرنا بحاجة لوقت طويل لكي نستوعبه، ووقت أطول ـــ لا يعرف أجله ــ لكي نحتذيه.

0 هل عجبك الموضوع ..اكتب رأيك:

إرسال تعليق

مرحبا بالاصدقاء الاعزاء
يسعدنى زيارتكم وارجو التواصل دائما
Hello dear "friends
I am glad your visit and I hope always to communicate

 
جميع الحقوق محفوظة لــ انفراد