آخر الأخبار
Loading...
السبت، 7 يونيو، 2014

Info Post
بقلم / عبد السلام بوطيب
جلالة الملك.. كنت في طريقي الى عاصمة المملكة الرباط، عندما اتصل بي صحافي من إحدى أهم الجرائد الوطنية لأبدي رأيي فيما أعلن عنه رئيس حكومة بلدكم السيد ماريانو راخوي في موضوع تخليكم عن العرش لابنكم ولم يتبادر إلى ذهني أنذاك – وأنا أحاول أن أجد المكان المناسب في القطار لإجابته - إلا صورة رئيس حكومتكم الأول السيد أدولفو سواريس، الذي كرمناه قبل أسبوع في المركز الذي اتشرف بقيادته، مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، حيث أخبرتني صديقة كولومبية عارفة بخبايا تاريخ مملكتكم - وأنا أستعد لإقناع فريقي لتكريم الراحل ماريو سواريس على هامش الدورة الثالثة لسينما الذاكرة المشتركة الذي عُقد أخيرًا بمدينة الناضور - أنه لم يكن يتذكر طيلة حياته الأخيرة التي أصيب فيها بمرض الزهايمر في مراحله المتقدمة إلا اسم جلالتكم.. أنذاك عرفت أكثر من أي وقت مضى، أن الكبار لا يتذكرون إلا الكبار، مهما اشتد عليهم المرض، ومهما تقدمت بهم السنون، ولعب فيهم الزمن ألاعيبه التي استعصت عن كل علم.
سيتذكر العالم - جلالة الملك - يوم نزلتم على أرض بلدكم، في محطة بئيسة تشبه بؤس الزمن السياسي الاسباني وقتها، وأنتم طفل لا يتعدى عمره العاشرة إلا قليلاً - تحملون حقيبة الأمل في اليد اليمني والأخرى مستعدة للتلويح بها إلى مستقبلكم الذي تجهلونه، طفل كتب عليه أن يتخلى عن طفولته لتلبية نداء مستقبل بلده، وأن يلعب لعبة الكبار بأسلحة صفاء الملائكة الصغار، ويترك عائلته تلعن العسكر ومن ساندوهم وناصروهم في حربهم ضد اليسار زمن الحرب الاهلية، ويعي وهو طفل صغير أن الاعداء كثر، ولا حيلة له أمامهم إلا التشبث بأبناء الارض وبمستقبل البلد .
قليل من الناس يتذكرون اليوم الذين من اليمين و اليسار ممن كانوا ضد أن تتولوا الحكم في بلدكم الجريح الذي نزف دم الدكتاتورية، ممن رؤوا فيكم ملكًا غير قادر على تسيير إسبانيا بعد جبروت فرانسيسكو فرانكو، ولكن الجميع يتذكر ويعترف أنكم قدتم تجربة فريدة ورائعة، تجربة قال لنا عنها المفكر المغربي محمد العربي المساري في الكلمة التي بعثها إلى لقاء تكريم الراحل أدولفو سواريس "يقر الجميع بأن الانتقال الديمقراطي في جارتنا الأيبيرية كان مسلسلاً سياسيًا ذا أهمية تاريخية، وما يزال ذلك الانتقال حتى الآن مضرب الأمثال كمسلسل سياسي انتقلت به إسبانيا من وضع بلد حُكم بيد من حديد ديكتاتوريًا طيلة 39 سنة إلى بلد ديمقراطي بكامل المواصفات. ونتج عن ذلك الانتقال تغير حالة إسبانيا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا من الشيء إلى ضده. وكان التغير شاملاً كل مناحي الحياة، حتى ليمكن القول إنه تغير جدري، بل كان التغير الجدري الوحيد الذي وقع في القرن العشرين بلا نقطة دم، و لكن الكثيرون منا يتذكرون أنك في ذات صباح فبرايري وقفت لتقول "لا" لطغمة عسكرية أرادت أن ترجع بلدكم الى زمن "الطغمة العسكرية".
نعم سيسجل لكم التاريخ أنكم انهيتم في بلدكم "زمن الانتقالات الدموية" التي أبكت الأمهات الإسبانيات وأخرت في كل مرة بلدكم سنينًا عديدة، حيث بينتم أن الذكاء الجماعي هو الحل الوحيد والأوحد للانتقال بالصيغة السليمة، أقول قولي هذا وأنا العارف- بكل تواضع - تعقيدات الوضع السياسي ببلدكم و طبيعة النخب الوطنية و الجهوية لديكم، وأوهام من يريدون بناء كيانات صغيرة ، وهو ما يهدد إسبانيا حقيقة اليوم ويستدعي من الإسبان مرة أخرى إعمال نفس الذكاء الجماعي، الذي استعملوه للانتقال ببلدكم الى إسبانيا اليوم.
سيكون لكم الشرف جلالة الملك، أنكم قدتم – بالرغم من صغر سنكم و حداثة تجربتكم آنذاك، "تغير جذري وسلمي ظل حتى الآن نادر المثال، وكان مثالاً سعت كثير من المجتمعات في أوربا وغيرها إلى الاقتداء به، لأنه بيّن أنه حينما توجد الإرادة السياسية، تأتي باقي العناصر المكونة للإرادة الجماعية، ولكن لا مناص من شروط اجتماعية واقتصادية داخلية." على حد تعبير محمد العربي المساري في كلمة تكريمه للراحل أدولفو سواريث.
كثيرون كانوا يعتقدون أن اختفاء الجنرال فرانكو – الذي أساء إلى إسبانيا والإسبانيين – وإلينا كذلك عندما جيّش كثيرًا من أجدادنا الأميين الفقراء للحرب إلى جانبه ضد الشرعية السياسية التي أفرزتها انتخابات شفافة وشرعية، ستتحول إسبانيا إلى ما تحولت إليه، هؤلاء كانوا واهمين، وتسكنهم الإرادوية التي تقتل إبداعات الشعوب ، ذلك أن الأمر راجع إليكم ، وإلى فريقكم ، و الذكاء الجماعي للإسبان- ليحدث ما حدث. ما حدث –جلالة الملك - كان يتطلب وجود شروط داخلية وخارجية لترجح كفة التغيير الذي كان مطلوبًا في الساحة الإسبانية منذ مدة هو ما كان مطلوبا منكم، وقد وفرتموه بسخاء لشعبكم.
جلالة الملك، لا أحد اليوم ينكر، أولا، أنكم ورثتم إسبانيا على قدر حال اقتصادي مستور - كما نقول نحن عندنا هنا - ولا أحد يمكن أن ينكر، ثانيًا أنكم ورثتم بلدًا يشكو من كل الأعطاب السياسية، ولا أحد يمكن أن ينكر ثالثًا كذلك أنكم وفرتم لبلدكم أطول الدساتير عمرًا في تاريخها"، ولا أحد ينكر رابعًا - بالرغم من ألاعيب الساسة وبعض المثقفين في الديمقراطيات الحديثة الذين يلوحون باكتشافات - دوركم الرئيسي في عملية الانتقال السياسي الديمقراطي، أن دوركم في إرساء قيم الحرية والسلم طيلة عهدكم" على حد تعبير جلالة الملك محمد السادس. سيسجل لكم التاريخ أنكم وقفتم الى جانب الطبقات الوسطي التي كانت تطالب بإلحاح أن تتغير البنيات القائمة في ظل الديكتاتورية، وأن تستبدل ببنيات غيرها تكون أصلح لبناء إسبانيا متفتحة وقادرة على التفاعل مع الاقتصاد العالمي، واللحاق بركب الدول المتقدمة. "وأنكم أقنعتم عناصر من الجيش، وتنظيمات الكنيسة، والعناصر النشيطة بداخل التنظيمات النقابية، لمسايرة نظرتكم الى التغيير وفرض منطقه، وساهمتم جميعًا في كيميائية التغيير الذي بات يعرف اليوم بـ "التجربة الإسبانية في الانتقال الديمقراطي"، التي أبهرت العالم قبل أن تقنعه، العالم الحر الذي كان يكره الدكتاتوريات وبقاياها - بتغيير النظرة الى بلدكم، وأصبحتم تجربة تمدنا في شمال افريقيا بكثير من الأمل، أمل وصول رجل الى سدة الحكم يستحقه المستقبل.
سيسجل لكم التاريخ جلالة الملك، أنكم ساهمتم مع أحرار بلدكم في تغيير البنيات التي فرضتها الطغمة العسكرية التي كان يقودها فرانسيسكو فرانكو، وعملتم على استبدالها ببنيات تمكن من الانفتاح على المحيط، ومن اللحاق بالمشروع الاندماجي الأوربي، وهو مشروع ظل لعدة عقود يشترط الديموقراطية للانتماء إليه. ذكاؤكم هذا - جلالة الملك - جعل الجميع يرى أن الوضع ناضج لكسر الجمود وبناء إسبانيا جديدة، وقد توجتم هذا المسلسل باختيار أحد أكبر الرجالات الاسبان لقيادة هذا الانتقال الذي يستحقه الإسبان، ويحقق بعض أحلامهم، ذلك أنه لم يصنع الأوهام، ولم يمضغ الكلمات ويكذب على الناس ويؤجل أحلامهم إلى تاريخ مفتوح على كل الأطماع، بل قرر أن يعترف بكل الحقائق التي توجد في المجتمع على حد تعبير الصديق محمد العربي المساري في الرسالة السابقة الذكر، ودعا الإسبان إلى انتخابات حرة وزودهم بدستور يكفل لهم جميع الحريات، ويقدم لهم الضمانات بإجراء انتخابات مفتوحة أمام الجميع وإعطاء البرلمان صلاحيات تأسيسية، وحينذاك اتجهت بلدلكم بشجاعة إلى التزود بدستور توج نضالات، وقدم ضمانات لتصبح إسبانيا اليوم دولة قانون، ولبناء هيكل الدولة على أساس أنظمة حكم ذاتي للجهات التي كسرت أوهام الانفصاليين، وزودتها بأنظمة للتشاور والتقرير واستيعاب قواعد الحكامة الرشيدة.
واليوم يحق للعالم أن يهنئكم ويستحضر روح ألفونسو سواريس والترحم عليه لهذا الدرس البليغ الذي لم يكن يلتمس المرحلية لتبرير أنصاف الحلول أو استبعاد الشفافية والنزاهة خاصة وأن هذه الأجواء سمحت للإسبان بطرح كل القضايا التي شغلت بالهم من مئة عام أو يزيد. ومرد هذا الحق في الفخر والاعتزاز هو أن هذه اللحظة كانت قطعية ، فلا يخفى على أحد أن بلدكم عرفت قبل سبع سنوات وثائق دستورية تعطلت بسبب عدم الإقدام على القرارات التي كانت كفيلة بمعالجة الأمراض الاجتماعية والبيروقراطية والفساد والتطرف.
الى المستقبل جلالة الملك، لي أمل كبير فيه، فبيننا رجالات يستحقهم الحاضر و المستقبل.
· كاتب ومفكر مغربي

0 هل عجبك الموضوع ..اكتب رأيك:

إرسال تعليق

مرحبا بالاصدقاء الاعزاء
يسعدنى زيارتكم وارجو التواصل دائما
Hello dear "friends
I am glad your visit and I hope always to communicate

 
جميع الحقوق محفوظة لــ انفراد